بلاد المغرب وفرنسا الاستعمارية قبل الاستقلال وبعده

قراءة دماغية غير مثالية

بقلم محمد الناصر النفزاوي

ما قرأت شيئا عن بلاد المغرب الا وتذكرت قصة الحمامة المطوقة وطريقتها في احباط محاولة الصياد صيد مجموعة الحمام المنهمكة في البحث عن قوتها اليومي . الحمامة المطوقة هي  محمد بن عبد الكريم الخطابي والحمامات المنشغلة بالبحث عن قوتها الفردي هي ليبيا وتونس والجزائر ومراكش وموريتانيا. هي مختلفة الألوان وما يبدو لها من خصوصيات تميز الواحدة منها عن الأخرى ليس في نظري أكثر  من وهم يكذبه أصلها الواحد وطموحها السياسي  العميق الحقيقي الواحد.

 هذه الصفحات لن يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة لأنها  ستكون كثيفة التركيز مقتا مني للكتابات السمينة شحما الفاقدة لعمود فقري صلب وهذا الأمر طبقته في " شذرات من حياتي " التي نشرتها هذه السنة.

 هذه الصفحات يمكن  أن تدخل ضمن ما يسمى ب " صراع الأمم " أي هي تتناول "الصراع " بين  "الأمة الفرنسية " و"الأمة المغربية " في الكثير من أبعاده ذلك أن التفكير السياسي الفرنسي كان يرى في كل بلدان أفريقيا الشمالية  أي بلاد المغرب فضاء استعماريا واحدا لسبب تاريخي يعود الى القرن التاسع عشر أما التفكير السياسي الشمال الأفريقي ممثلا في رموزه "التحريرية" فلم يرق الى مستوى التفكير الاستعماري الفرنسي فتشتت نتيجة ذلك الى  حركات "وطنية" خاصة بكل بلد على حدة حاولت أن تستنسخ حركات التغيير في فرنسا متجاهلة أن الاستنساخ في هذا المجال لا يمكن أن يولد غير كائنات مشوهة .

الشخصية الفكرية السياسية الوحيدة التي رفضت عملية الاستنساخ هذه  هي محمد بن عبد الكريم الخطابي وشيعته الذين خلد تفكيرهم علي الحمامي في " ادريس . رواية شمال أفريقية "، الرواية الوحيدة التي حرصت على نقلها الى العربية بسبب خوفي من الترجمة لعجزها الطبيعي عن نقل روح أي نص .

قادة الحركات " التحريرية " في كل بلدان الشمال الأفريقي استقر رأيهم نهاية خمسينات القرن العشرين ، وكلهم ذوو تكوين فرنسي لغة وقيما ، على أن محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي قال أن لا جدوى من تحرير بلد مفرد من بلدان شمال أفريقيا  اذا  بقيت بقية البلدان مستعمرة هو رجل يعاني من "الخرف" في حين أن التاريخ الفكري السياسي يثبت صحة تفكيره وتهافت تفكيرهم جميعا من دون استثناء .

ها قد اتضح  ، اذا ، موضوع هذه الصفحات  و سنقسم محتواها  على هذا الأساس. 

 بلاد المغرب بين " نجم شمال أفريقيا " ومحمد بن عبد الكريم الخطابي  :

لن أتناول هذا الموضوع على الطريقة التقليدية الدارجة في كل الكتابات التي تتعلق بهذه المسألة لأنها لم تفدني كثيرا في فهم هذه المسألة لأن طريقتي في تناولها تستند الى التمييز بين نشاطين متقاربين هذا  اذا  لم يكونا متداخلين أحيانا مما يمكن من اندماجهما حينا وتباعدهما حينا آخر  في الدماغ الفكري السياسي .

 المعاجم التي ترادف بين الفعلين المعرفيين ذهن وعقل ينجر عن هذا الترادف فيها تقسيم منطقي  ولكنه غير سليم  هوالقول بذهنية الشعوب وعقلية الشعوب وكأنهما غير متداخلين أما نحن التنسيبيين التونسيين والمغاربة فنخطئ هذا القول  لأنه  لا يفيدنا لأن منتهى  هذا التقسيم هو القول  بالتسيب في حالة الذهن والسد  والضبط في حالة العقل مما ينجر عنه منطقيا تجريم كل نشاط يوصف بالتسيب والاعلاء من شأن كل نشاط يوصف بالضبط والعقل و" العقلانية ".

 الطبيعة البشرية ترفض هذا التقسيم وهي المحك الحاسم عندي لأن الدماغ البشري ومن ثم الذهنية والعقلانية يكذب في الواقع لا في التصور هذه "الخرافة" لأن العلاقة وثيقة بين الذهنية والعقلية بل ان الذهنية هي السابقة لأنها الأكثر طبيعية أي تجذرا في الانسان مما يفسر امكان استفاقتها في ظروف معينة تضعف فيها وطأة سيطرة العقل ومشتقاته لأنها ثانوية اصطناعية مقارنة بما هو طبيعي أي أساسي .

 ما حدث في تاريخ فضائنا المغربي اذا طبقت ما سبق أن قلت ليس اكثر من هذا التراوح بين الذهنية والعقلانية على مر كل الأزمنة على الرغم من علاقتهما الوثيقة وكل الانقسامات الاجتماعية السياسية التي عاشها ليست الا تعبيرا عن هذه الحقيقة التي تتجاوز الانقسامات الدينية والفكرية التحديثية والانتماءات الى الشرق والغرب على حد سواء.

 ما هي علاقة ما سبق بموضوعنا ؟

 لقد حاولت أن أفهم سبب اتهام سياسيي بلاد المغرب محمد بن عبد الكريم الخطابي ب "الخرف" وكلهم من دون استثناء فشلوا عند تسلمهم الحكم في انجاح مشاريعهم "التحريرية" ولم  أجد اجابة تقنعني غير أن الصراع  الدفين بينه وبينهم كان في الحقيقة تنافسا وهميا غير طبيعي أي اصطناعي بين نشاطي دماغ واحد غلب فيه في فترة ما نشاط العقلية على الذهنية  لتستفيق في ما بعد الذهنية بكل ما تتضمن من أبعاد " أخلاقية" ودينية ومعاداة غرب  محكوم بغلبة العقلانية على الذهنية .

 محمد بن  عبد الكريم الخطابي عبر في فهمي الخاص عن تلاحم نشاطي الذهن والعقل ولهذا السبب وحده تمكن من التغلب في فترة ما على جيوش فرنسا واسبانيا مجتمعة أما من وصفوه ب "الخرف" فكانوا محاربين للذهنية داعين الى العقلانية في وجهها الفرنسي ولقد طرحت على نفسي السؤال التالي : لم غاب ذكر الخطابي ، الا في حالات نادرة ، في كل ما ذكر من أنشطة نجم شمال أفريقيا ومكتب المغرب العربي في القاهرة حتى بداية خمسينات القرن العشرين ؟ ولقد كان جوابي لنفسي هو أن الخطابي كان يمثل عن غير وعي تنظيري وحدة نشاط الدماغ الشمال الأفريقي مما يقود منطقيا الى فهم الصراع بين فرنسا وشمال أفريقيا صراعا بين أمم مختلفة لا مجال للتوفيق بينهما الا على أساس من المصالح المشتركة التي ترفض كل تبعية هذا لتلك .

 قد يكون هذا الفهم غير "واقعي" ولكن من قال ان الواقعية تصلح تبريرا للتبعية في كل شيء ؟ وهل قبلت الأمة الألمانية أن تتبع الأمة الفرنسية التي اجتهد نابوليون في غزوها بداية القرن التاسع عشر مما ساعد على توحيدها في ما بعد ؟

 الصراع بين فرنسا وألمانيا هو صراع بين أمم . أما أشكال الصراع  بين فرنسا

وسياسيي بلدان شمال أفريقيا فكان منذ البداية صراعا فاشلا أي أن " الدودة كانت في الثمرة " لأنه لم يرتق الى صراع أمم لأنه بقي محصورا في نطاق التبعية لهذه القوة الغالبة أو تلك ومثل هذه التبعية هي تبعية ترهن مستقبل أجيال وأجيال حتى لا نقول انها تصبح ضرورة  حياتية مثل ضرورة الماء للحياة .

 حاولت الناصرية والبعثية اللائكيتين و"الاسلامية السلفية " نقيضتهما  أن تعثر على حل يخرج الفضاء المغربي من حالة الشتات  الذي هو عليه وفشلت جميعها لسبب واحد هو أنها سعت الى تبديل تبعية بأخرى في حين أن الجسد الاجتماعي المغربي يحتاج في حياته الواقعية ، مثل كل جسد ،   الى هوائه الخاص الذي يضبط تنفسه الخاص لأن تنفسه محكوم بمناخه ومطره وغذائه وكل هذه الخصائص لا تتوفر في غير فضائه الخاص  مهما بلغ مستوى تلوثه  أو مستوى  " تحضره" لأنه يمكن للشمال الأفريقي أن يعوض التنقل على البغال بالتنقل عبر السيارة أو الطيارة ولكنه لن يتجاوز وضعه الحضاري  الا بتضييق الشقة بين الذهنية الغالبة السائدة والعقلية المنشودة وهي مطلب فئة صغيرة لا جذور اجتماعية عميقة تسندها   وهما معا خاصتان تميزهما عن بقية بقية الذهنيات والعقليات المعروفة في كل بلاد الأرض من دون استثناء.

 لماذا أهمل مثقفو بلاد المغرب تعريب " ادريس. رواية شمال أفريقية " وهم مزدوجو اللغة ؟

 على الحمامي لا يحبه الشرقيون عموما وعدد كبير من مثقفي بلاد المغرب لا بسبب الجهل وحده ولكن لأنه "يتنفس" مغربيا بل خطابيا وبقي مخلصا  لنظرة الخطابي الاستراتيجية  التوحيدية لبلاد المغرب  ومن ينسبه هذا أو ذاك من مثقفي بلاد المغرب الى بلده الخاص فهو أعشى لا يعد بما يكتب .

 ولكن علي الحمامي نفسه الذي ألف رائعته في مدح الخطابي  وشيعته الفكرية السياسية لم يتفطن السبب البعيد الذي كان وراء خذلان سياسيي بلدان المغرب الخطابي وهو سبب ليس من السهل تبينه من أول وهلة .

 لا سبيل الى فهم هذا السبب اذا لم نميز بين مفهوم الالتزام بقضية من القضايا مثل تحرير كل بلدان المغرب الذي بنى عليه كل السياسيين مستقبلهم السياسي الوطني كل في مجاله الخاص  ومفهوم "الشهادة" في المصطلح الدارج عندنا والذي يعني في نظري " الانتحار الايجابي " والشجاعة على الاقدام عليه من أجل قضية يرى "المنتحر الايجابي " أنها تحقق لذته ان عاجلا أو آجلا  : هذا النمط من "الانتحار الايجابي " وحده هو الذي يمكن من فهم اقدام  الشاب شي غيفارا في أمريكا اللاتينية ومصطفي بن بولعيد في الجزائر على بعد موقعيهما الجغرافيين  واختلاف نظرتهما اذا  لم نقل تضاربهما الى الأشياء وكذلك محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي كان "انتحاريا ايجابيا " في تركيبتة الذهنية ولا أقول العقلية .

 اقرؤوا ما شئتم من الكتب حول هؤلاء الرجال و ستلاحظون أن ما يجمع بينهم جميعا هو على مستوى الدماغ تقلص الاهتمام بما سيصيرون اليه اذا انتصرت قيمهم وتضخم الاهتمام عندهم  باللحظة التحريرية التي يعيشون ثم لا تنسوا أن تلاحظوا أن مصائرهم جميعا من دون استثناء هم ومن شابهوهم كانت "مأساوية"  لأنهم طلبة تغيير من الجذور لا من السطوح  وهم الوحيدون الذين أعدهم منشئي فكرة التقدم البشري لا التقدم الأناني الخاص بأمة من الأمم أو شعب من الشعوب ..

 اقرؤوا الآن ما شئتم  من الكتب حول الرجال الذين  دعوا قبل الاستقلال الى تحرير بلاد المغرب  ثم تسلموا الحكم بعد الاستقلال وسترون  أن ما يجمع بينهم  هو تضخم الشعور بما سيصيرون اليه بعد الاستقلال وتقلص الاهتمام بوضع مواطنيهم الاجتماعي الاقتصادي في اللحظة التحريرية التي عاشوها مضافا اليه تضخم ذاتي يختزل جميع  الناس في فرد أو جماعة أو جهة .

 تونس عصب  شمال أفريقي متشنج

 علاقة ليبيا بجنوب تونس شبيهة بعلاقة الجزائر بتونس في شمالها الغربي مما يفسر تاريخيا دور الجزائريين  البارز في نشأة حزب الدستور التونسي وحتى في خصومته الداخلية ولكن ضآلة  دور الليبيين مرده الى أن ليبيا كانت مقسمة الى ولاء شمال أفريقي وولاء لمصر كان له تأثير بالغ فيها لحضارة مصر الضاربة في القدم والتي تتوفر على  امكانات كبيرة  ومتنوعة بل متضاربة اضافة الى أنها في الفترة التي نتناولها بالحديث كانت تضم احتياطيا بشريا قريبا من العشرين مليون ساكن أي أكثر بكثير مما كانت تعد ليبيا و موريتانيا مجتمعتين .

 ما نقول  هو السبب الذي وقف وراء ادراج الكتابات الأمريكية و الانكليزية المتعلقة بشمال افريقيا  ،على عكس الكتابات الفرنسية  ، ضمن ما تسميه بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط لأنها تنطلق من فهم بترولي للمنطقة لا من واقع انتماء شعوبها  الذهني ومن ثم السياسي والوطني.

 الكتابات الفرنسسية وحدها هي التي كرست مفهوم الانتماء البربري La Berbérie القديم ومن بعد مفهوم المغرب Le Maghreb  أما نحن فقد فضلنا مفهوم بلاد  المغرب  لأنه مفهوم جغرافي مناخي لا لون ايديولوجي له  لأنه يفيد وحدة الذهنية من  دون أن يغفل  مختلف أشكال التعبير عن هذه الذهنية لأن طريقة التعبير عنها عند شخصيتين بربريتين تغييريتين أخذتين بفكرة التقدم  مثل عبد الكريم الخطابي في الريف  والحسين  آيت أيت أحمد في بلاد القبائل الجزائرية تختلف عن طريقة التعبير عنها في المنطقة المغربية الواحدة مثل مراكش المخزنية  التي قاومت فيها ذهنية علال الفاسي ذهنية  الخطابي ومثل تونس التي شن فيها بورقيبة  حربا عشواء على الذهنية الريفية في بلاده وأطلق عليها صفات الجهوية والعروشية والقبلية في حين أن هذه القبائل  بتقاليدها "المنحرفة" هي التي عبرت عن روح "المقاومة " الحقيقية : المقاومون في كل بلدان أفريقيا الشمالية لم يكونوا يتقنون العربية أو الفرنسية  . كانوا يعبرون عن روح المقاومة بلهجاتهم  المختلفة ولقد انخرطوا فيها  لأن قادتهم مثل عبد الكريم الخطابي وحسين وأيت يدر في مراكش وآيت أحمد كانوا يتقنون لغات  مثل الاسبانية والفرنسية ولكنهم فهموا أن النفاذ الى عمق أعماق الشعوب يكون عن طريق معرفة لهجاتها  وهذه اللهجات على ما يقال فيها تعبر عن جزء من هذه الجذور .

 كان في نيتي أن أتوسع في هذا الموضوع أكثر مما فعلت ولكن وضعي الصحي العام  الخاص حال دون رغبتي لذلك سأقتصر على ما كتبت وعلى من يهمهم الأمر أن يتوسعوا فيه ويثروا  مضمونه .