الطريق الجديد ،  17 جانفي 1989
قراءات في سطور المدينة ، محمد الناصر النفزاوي

حـــذار .. لـــن يتحمّل التونسيّون صدمة انتخابيّة جديدة..

أعترف أنّني أصبحت أجد صعوبـــة في كتابة " القراءات " لأنّ كلّ موضوع أتخيّره سواء أتعلّق الأمر بالحدائق العموميّة أو بالانتخابات الرئاسيّة أو التشريعيّة ينتهي ينتهي الى نفس التساؤل :
ـ الى أيّ حدّ يمكن للمرء أن يزكّي أدبيّات " العهد الجديد " من دون أن يصطدم بالممارسة اليوميّة للحزب الدستوري في كثير من المجالات ؟
وغنيّ عن الذّكرأنّ كلّ التونسيين تقريبا قد صفّقوا لخطاب التغيير في بداياته ووجد البعض تبريرا لموقفهم في التفريق بين رئيس الدولة والحزب الدستوري.
ولنكن أكثر وضوحا ، أنا من أجل تعبيرة جديدة وشاملة عن التنضيد الاجتماعي  والثقافي  في البلاد فأكره ما ينزعج له المرء  هو هذه الكتل الشعبيّة التي لا تمثّل رأيا عامّا يمكن الاستناد اليه :
من أجل ذلك طالبت منذ 1985 في مجلّة الموقف أن يكون للأحزاب السياسيّة غير المعترف بها جرائدها ومجلاّتها وخاصّة منها التيّار الديني :

الطريق الجديد، 24 جانفي 1989
قراءات في سطور المدينة، محمد الناصر النفزاوي

في الطّـــبقات الدغمائيّة

ظاهرة تراجع كثير من المثقّفين عن آرائهم التي كرّسوا الغرسها جزءا من حياتهم ظاهرة شائعة يمكن التمثيل لها في مختلف البلدان وخاصّة منها البلدان العربيّة.
ومن يراجع التاريخ المصري الحديث مثلا فسيلاحظ ذلك في الثلاثينات عندما تحوّل طه حسين والعقّاد وهيكل وتوفيق الحكيم الخ من ليبراليّة متأثّرة بالنموذج الثقافي العقلاني الغربي الى رؤية مشبعة حسّا دينيّا ومن ثمّ ظهر أدب كامل يمجّد الاسلام ورموزه.
واذا كان بعض النقّاد يرجعون ذلك الى مجرّد انتقال هؤلاء المثقّفين الى مكانة اجتماعيّة وسياسيّة جديدة دفعتهم الى الانخراط في الوضع السائد وما يوافقه من بناء ثقافيّ فانّني أميل الى اضافة عنصر آخر لتفسير هذا التحوّل يتمثّل في استفاقة الثقافة التقليديّة التي صبغت طفولتهم الأولى أي الطبقة النواة في أدمغتهم على اعتبار أنّ هذه الأدمغة مكوّنة في شكل طبقات متراكمة ومتجاورة لا يلغي أحدها الآخر.

الطريق الجديد ،  10 جانفــي 1989
قراءات في سطور المدينة ، محمد الناصر النفزاوي

حـكــموا فـــنــقـــدنـا.. فـــلـيحـــكــم غيـــرهــم لــيـنـقـــدوه ..

كثرت هذه الأيّام علامات ضيق الحزب الدستوري الجديد بكلّ مظاهر النقد لسياسته وكأنّه أصبح يرى أنّ الفسحة الزمانيّة  بين نوفمبر 87  ونوفمبر 88 كانت جدّ كافية ليفرغ الناس ما في جعبتهم من تذمّر متعدّد الأسباب ولينطلقوا مجدّدا من " درجة الصفر في النقد " على  اعتبار أنّ ما تراكم منذ ثلاثين سنة قد مات واضمحلّ ولا مجال لمحاسبة السلطة الحاليّة ( وعمّ تحاسب هذه السلطة المنقذة التي ظهرت من العدم يوم 7  نوفمبر 87 ? ) الا ابتداء من تسلّم " الكريــة " قبل عام :

الطـــريق الجديــد،  21 ديسمبر 1988
قراءات في سطور المدينة، محمد الناصر النفزاوي

" أطــــفال بــــورقــــيــــبــــة "

أعتقد أنّه لا يوجد هذه الأيّام مقياس لتضخّم أسعار السوق التجاريّة أفضل من مقياس المقارنة بينها وبين سوق اللفظ السياسيّة.
ففي كلا السوقين تجد الرأي الرسمي واحصائياته وتقديراته المتفائلة كما تجد مقياس الرأي المعارض واحصائياته وتقديراته " المتشائلة " .
انّه ليمكن لأيّ كان أن يقارن بين الرأي الرسمي سواء في ما يتعلّق بسعر السمك أو الديمقراطيّة وحرّية الصحافة  و " مـــرمّة " الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة الخ ..ورأي المعارضة في السمك وبيضه والديمقراطيّة و " تفريخاتها " كما تعبّر عنها الممارسة الحزبيّة الدستوريّة اليوميّة ولسوف  يخرج من هذه المقارنة ب" قــفّـة " متناقضات نتيجة فهم كلّ طرف لسطور الخطب الرسميّة المتتالية ولما بين هذه السطور خاصّة.

الطريق الجديد، 14 ديسمير 1988
قراءات في سطور المدينة
، محمد الناصر النفزاوي

بـــيــن بطـــل الـــروايــــة وبـــطل الــسّيــــاســـة

يرى بعض كبار الفلاسفة أنّ ميزة البطل الروائي هي البحث عن أصالة الانسان في عالم غير أصيل لذلك لا تعدو الرواية أن تكون تعبيرا عن مغامرة مآلها الفشل يمثّلها فرد يريد أن يعطي معنى ـ هو معنى ذاته الانسانيّة ـ لعالم أصبحت العلاقات الاجتماعيّة فيه مشيّئة  تماما.
ونحن لو أسقطنا هذا الكلام عن الرواية على العلاقات الاجتماعيّة في بلداننا لحصلنا على ممثّلين للحياة الاجتماعيّة ينقسمون كما يلي :
ـ فريق فرد متضخّم النفس وجاهل تبعا لذلك لحقيقة العوائق الموضوعيّة التي تحول دون تحقيق القيم التي يصرّ على أن يبشّر بها وهي عوائق موضوعيّة داخليّة وخارجيّة يمكن لأيّ كان أن يلمس باصبعه تأثيرها الحاسم في مصير كل مشروع متعال منطلقه ارادة   التجاوز المطلقة.
ولا يصبح هذا الجهل بتأثير هذه العوائق ممكنا ودائما الا عندما تتضخّم الذات  على حساب الواقع المرّ فيصبح رفضه جملة وتفصيلا مبرّرا أحدا للبقاء.

الطريق الجديد، 13 ديسمبر 1988
قراءات في سطور المدينة، محمد الناصر  النفزاوي

فــــي نــــهج تـــقـــلـــيم الأظــــافـــــر

لا أحد في ما أعتقد يشكّ في أنّ المشروع السياسي الديمقراطي كما حدّدت ملامحه الخطب الرئاسيّة قد أثار حفيظة بعض القوى الداخليّة التي رأت فيه تهديدا مباشرا لما تتصوّر أنّه يمثّل مصالحها الحقيقيّة وكذلك القيادات العربيّة بصفة خاصّة التي تخشى من دون الاعلان عن ذلك امكانيّة عدوى سياسيّة تذهب بعروشها ورئاساتها.
هذا هو السبب الذي دفع كثيرا من التونسيين منذ خريف السنة الفارطة الى تزكية المسار من ناحية والى اعتماد الحذر من ناحية ثانية اذ كلّ التغييرات تبدو عند ظهورها تجميعيّة واعدة ولا بدّ من بعد زمانيّ كاف  يسمح بالمقارنات بين أدبيّات كلّ سلطة جديدة ومدى تطبيقها فعليّا للمبادئ التي تتضمّنها هذه الأدبيّات.

الطريق الجديد،14 ديسمير 1988
قراءات في سطور المدينة، محمد الناصر النفزاوي

بـــيــن بطـــل الـــروايــــة وبـــطل الــسّيــــاســـة

يرى بعض كبار الفلاسفة أنّ ميزة البطل الروائي هي البحث عن أصالة الانسان في عالم غير أصيل لذلك لا تعدو الرواية أن تكون تعبيرا عن مغامرة مآلها الفشل يمثّلها فرد يريد أن يعطي معنى ـ هو معنى ذاته الانسانيّة ـ لعالم أصبحت العلاقات الاجتماعيّة فيه مشيّئة  تماما.
ونحن لو أسقطنا هذا الكلام عن الرواية على العلاقات الاجتماعيّة في بلداننا لحصلنا على ممثّلين للحياة الاجتماعيّة ينقسمون كما يلي :

الطريق الجديد، 29 نوفمبر1988
قراءات في سطور المدينة، محمد الناصر النفزاوي

فــــي المــــلائكـــة والشّيــــــاطـــــيـــن

لا يوجد ، في نظري ، قولة كانت وما زالت محلّ استشهاد " العدد "  مثل " خير الأمور أواسطها " .
عرفها اليونان مع أرسطو وعرفها المسلمون في الأحاديث وعرفتها شعوب أخرى وعبّرت عنها بلغات مختلفة .
وقد يكون سبب شيوع هذه القولة أنّها تقترب من الحكمة التي تصدر عن تجربة حياتيّة يشترك فيها جميع الناس ولكنّهم لا يستخلصون الا في نهاية الحياة وجوب الموازنة بين المدّ والجزر ، بين الافراط والتفريط أي أنّها تعبّر عمّا " يجب أن يكون " لا  عمّا  " هو كائن " حقيقة أي أنّها في النهاية قولة تعليميّة.
لذلك يستشهد بها المسرف الذي أشرف على الافلاس.
والمدمن الذي تحوّل جسده الى " قطع غيار " متآكلة لا يشدّها رابط متين.
يستشهد بها السياسيّ الحاكم الذي

الطريق الجديد، 2 ديسمبر 1988
قراءات في سطور المدينـــة، محمد الناصر النفزاوي

فــــي النّهضــــة العربيّــــة الـــكـــسيــــحة

في الندوة التي أقامتها " الطّريق الجديد " حول الهويّة  وساهم فيها  الأساتذة المسعودي وعمايريّة ومحمود أمين العالم والتريكي بمداخلات قيّمة وقع التّعرّض لقضيّة أمّ هي :
 ـ لم لم يزد العرب على طرح السؤال البسيط لماذا  تقدّم الغرب وتخلّف العرب وذلك منذ ما يزيد عن القرن ؟ ولم كنّا نشتكي من أزمة كان يعتقد أنّ سببها الاستعمار فاذا بنا بعد خروج الاستعمار نشتكي من أزمة أشدّ ؟

الطريق الجديد ، 22 نوفمبر 1988
قراءات في سطور المدينـــة ، محمد الناصر النفزاوي

فــي التّنــابــــــز بالألــــقاب  الـــــعلمــــيّـــــة

ورد في جريدة الصّباح بتاريخ 8 نوفمبر 1988 ما يلي :
"
أظهر د. الطاهر لبيب رحابة صدر كبيرة عند رئاســـة الجلسة الأولى التي خصّصت لقضايا الابداع والهويّة القوميّة حيث احتدم النّقاش أكثر من مـــرّة ورفض البعض نعتـــه بالدكتور كمصطفى القبّاج فما كان من الطاهر الا أن نعت البقيّة بعبارة " سـي " التونسيّة " .
هذا الخبر " الطّريف "  يستدعي كثيرا من الملاحظات منها :
ـ لو كان هذا " التّنابز بالألقاب " ميزة متعلّمين يتصارعون ضمن مؤسّسة تعليميّة مغلقة بدافع نزعات نفسيّة ومصلحيّة  كربوراتيّة لهان الأمر: فلقد تعوّدنا في الميدان التعليمي على مرتبيّة شهاداتيّة وعلى أن نكتفي من الجوهر بالعرض ومن القيمة العلميّة الحقيقيّة بالشهادة ومن الانتاج العلمي والثقافي المتواصل ب" أطروحة " يتيمة في الكثير من الأحيان ننصرف بعدها  الى الغرق  النّهائيّ والدّائم والكامل في عالم " البناء  والتّشييد الكنتوليّ والاسمنتيّ " .